قصتنا

 

 

حقوق الغفران في قطر .. قصة لم تكتمل فصولها!

 

 

قد يتساءل شخصٌ ما هل للغفران حقوق في قطر ؟ ومن هم الغفران أصلاً حتى يطالبون بحقوق؟! ولماذا هم دون غيرهم؟ وماهي أوضاعهم الحالية ؟ جميعها أسألة مشروعة وسأجاوب عنها في هذا البحث المصغر!

 

مقدّمة تاريخية:

الغفران هم شريحة من أبناء وطنهم قطر وهي فخيذة كبيرة تنتمي لقبيلة آل مرة العريقة الضاربة جذورها في شرق الجزيرة العربية منذ نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وكان لهم دور كبير في مجريات التاريخ السياسي لدول المنطقة! وهي قبيلة بدويّة كغيرها من قبائل الجزيرة العربية تعتمد على الرعي والتنقل حتى بدأت عملية التوطين للبادية في الخليج في ستينيات القرن الماضي بعد ثورة النفط اللتي غيّرت البنية السياسية والإقتصادية والإجتماعية لدول الخليج قاطبة! وقد واكب هذه الثورة النفطية موجة إستقلال دول الخليج عن بريطانيا بعد مايقارب ١٧٠ سنة من الإستعمار. وكونها قبيلة حدودية فقد توزعت القبيلة بين دول الخليج مع وجود القسم الأكبر من القبيلة بين السعودية و قطر. ومايهم هنا علاقة هذه القبيلة بقطر وطريقة إكتسابها للجنسية وهل يعتبرون دخلاء كما يلمح البعض! والجواب أن الكثير بدأ بإكتساب الجنسية بعد صدور أول قانون للجنسية في قطر في بداية الستينات وأستمرت عملية التجنيس إلى وقت الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمه الله بعد إعلان الإستقلال وبعد اتفاقيات ترسيم الحدود مع السعودية اللتي تنص على تجنيس البادية الواقعين ضمن حدود كل دولة . لكن المهم ذكره هنا أن القبيلة قبل ذلك لم تكن مستقرة في مكان محدد بحكم طبيعتها البدوية وتنقلها المستمر بل دأب أبناء القبيلة في التنقل بين السعودية وشبه جزيرة قطر بكل حرية قبل ترسيم الحدود! ووجودهم في شبه الجزيرة القطرية خلال الثلاث مائة السنة الماضية لا أحد يستطيع إنكاره ومثبت في الكثير من الوثائق التاريخية! لكن وجودها لم يتسم بالإستقرار مثل قبائل الحاضرة المستقرة في الشمال والشمال الشرقي على طول الساحل لشبه جزيرة قطر،وترّكز وجود قبيلة ال مرة في جنوب وجنوب شرق قطر وعلى الحدود السعودية حتى يصل الأحساء ويمتد نفوذ التاريخي إلى عموم الربع الخالي. هذه مقدمّة تاريخية بسيطة لابد من توطئتها للدخول إلى الموضوع الأصلي!

 

جذور مأساة الغفران

 

عاش أفراد الغفران في قطر مثل غيرهم منذ الإستقلال حياة طبيعية وأستفادوا من نهضة البلد وتعلم الكثير منهم بعد موجة الإبتعاث في نهاية السبعينات وبداية الثمانيات وعملوا في جميع قطاعات الدولة، وقد مكن لهم التحصيل العلمي الملفت للنظر بأن تبوأوا مراكز مهمة في قطر بدءاً من قطر للبترول إلى القطاعات العسكرية!

التحول الحقيقي للغفران حدث بعد إنتقال الحكم إلى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في يونيو ١٩٩٥ حيث شارك بعد ذلك أفراد من هذه القبيلة مع أفراد آخرين من جميع القبائل والعائلة الحاكمة بمحاولة إنقلابية باءت بالفشل في فبراير ١٩٩٦. حيث يبلغ عدد من شارك من القبيلة تقريباً ٢٢ شخص من مجموع ١٢١ متهم بالمحاولة الأنقلابية، تم القبض على الجميع ومحاكمتهم محاكمات مدنية حتى صدرت عليهم أحكام بين الإعدام والمؤبد والبراءة في عام ٢٠٠١!

في مايو ٢٠١٠ أصدر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عفواً بحق جميع أفراد القبيلة المتهمين بعد وساطة من الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله،

 

الإجراءات التعسفية وآثارها

ماعلاقة هؤلاء الضباط بفخيذة الغفران والمأسآة الحقيقية اللتي فقد جراءها مايقارب ٦٠٠٠ فرد من الغفران جنسياتهم القطرية منذ اكتوبر ٢٠٠٤؟

للجواب على هذا السؤال نعود إلى عام ١٩٩٦ حيث بدأت الأجراءات التعسفية ضد الغفران ككل حيث تم تحويل جميع الضباط والجنود من الفخيذة نفسها إلى قطاعات عسكرية غير حيّوية كالدفاع المدني والمرور وتم إيقاف قبولهم في الكليات العسكرية وحرمانهم من الترقيات والمناصب في الدولة، مما شكّل تحوّل حقيقي في تعامل الدولة مع الفخيذة ككل اللتي لم تستثي أحد منهم مع العلم بعدم مشاركتهم بالإنقلاب وعدم معرفة الكثير منهم به أصلاً! وأستمر التضييق عليهم حتى صدر قرار في ١ أكتوبر من وزارة الداخلية بإسقاط الجنسية عن تقريباً جميع الفخيذة وعددهم تقريباً ٦٠٠٠ شخص أو ٩٧٠ عائلة ماعدا أفراد يعدّون على الأصابع في خطوة إستنكرتها جميع منظمات حقوق الإنسان وشكلّت توتر مع دول المنطقة وخصوصاً السعودية. وقد قامت السلطات القطرية آنذاك بإجراءات تعسفية بدأت بالفصل من الوظائف والمدارس والجامعات. وتمت ملاحقة أبناء الغفران في المساجد والبيوت لإجبارهم على توقيع تعهدّات بالخروج من قطر حيث تم إعتبار وجودهم غير قانوني. بل ذهبت الحكومة إلى أبعد من ذلك وقامت بسجن بعض أفراد الغفران ووضعهم قي سجون الإبعاد مع العمال المخالفين والخارجين عن القانون. والذريعة القانونية اللتي إستخدمتها الحكومة القطرية آنذاك هي إزدواج الجنسية والمقصود هنا الجنسية السعودية وهو بلا شك إتهام باطل من أساسه للاسباب التالية:

 

١-الأغلبية من الغفران لا يملكون جنسية أخرى غير القطرية “وقت الإسقاط” بل الأغلبية من مواليد قطر،

٢-لم يطبق النظام على الجميع ممن يملك جنسيات بحرينية وإماراتية وإيرانية بل لم يطبق على عليّة القوم ممن يملك جنسيات آوروبية وكندية وأمريكية!

٣-التجنيس المستمر للكثير من الرياضيين والسياسيين والفنانيين مع إحتفاظهم بجنسياتهم الأصلية

٤-وعلى إفتراض صحة الإتهام على بعض الغفران، لماذا يعاقب الأبناء وأبناء الأبناء بسبب أن الأب أو الجد يملك جنسية سعودية؟

هذه النقاط كافية لرد الإتهام الحكومي لأفراد القبيلة بإزدواج الجنسية !

 

 

ماذا وراء الأكمة؟

بعد ماسقنا الحجج على بطلان إدعاء إزدواج الجنسية الذي ساقته الحكومة، ماهو إذاً السبب الحقيقي الذي يجعل الحكومة في قطر تقدم على إجراء مثل هذا النوع على فئة من المواطنين دون غيرهم؟

للإجابة على هذا السؤال يجب رصد أي تغييرات مواكبة لهذا القرار التعسفي في قطر في عام ٢٠٠٤. ومن أهم القرارات التاريخية اللتي واكبت هذه الفترة هي إقرار الدستور القطري الجديد حيث تم الإستفتاء على الدستور في أبريل ٢٠٠٣ وأقر بأغلبية كاسحة فاقت ٩٧٪‏ ! ومن صخرية القدر أن الغفران كانوا ممن شاركوا في الإستفتاء على هذا الدستور وكأنهم حفروا قبورهم بإيديهم!

ومما يثير الغرابة أيضا ان تاريخ بدء نفاذ الدستور هو ٣٠ أغسطس ٢٠٠٤ أي قبل قرار إسقاط الجنسية عن الغفران بشهر واحد فقط!! هل التقارب الزمني لهذه القرارات كان محض صدفة؟ لا بالطبع بل هو تقارب منطقي يظهر السبب الحقيقي لإسقاط الجنسية عن الغفران. ومن المعلوم أن الدستور القطري الموعود آنذاك بشّر بنقلة نوعية للحقوق السياسية للمواطنين من مجلس تشريعي منتخب وحق الإنتخاب والترشح. ووجود الغفران في هذا الإنفتاح السياسي مزعج نوعاً ما وخصوصاً إذا عرفنا أن أعداد قبيلة آل مرة كبير نسبياً مقارنةً بأعداد القبائل الأخرى مما ينذر بإكتساح القبيلة للبرلمان في حال إقراره! ولذلك أتى قرار إسقاط الجنسية عن الغفران كهدف لتغيير التركيبة الديموغرافية وتقليل أعداد القبيلة في قطر وكان الغفران هم الفئة المغضوب عليهم بين قبيلة آل مرة ولذلك أصبحوا هم كبش الفداء بحكم المحاولة الإنقلابية!

والسؤالان اللذان يدعمان هذا الرأي لماذا أنتظرت الحكومة كل هذه السنين حتى تطبق النظام على أفراد الغفران؟ ثم لماذا أستهدف هذا القرار الغفران دون غيرهم من شعب قطر؟

ولكن من المثير للسخرية أننا في بدايات عام ٢٠١٧ ولازال الدستور حبر على ورق ولم تطبق الإصلاحات السياسية الموعودة!! ولسوء حظ الكثير من الغفران أنهم لازالوا في غياهب النسيان وفي مهب رياح المستقبل المجهول!

 

 

التطورّات اللاحقة!

 

وأستمر الضغط على أفراد الغفران بين عام ٢٠٠٤ إلى عام ٢٠٠٨ وإجبار بعضهم على المغادرة حيث لابد للشخص من الغفران من إيجاد كفيل يقوم برد الوثائق القطرية بعد الدخول للسعودية! والمطلب الأساسي للحكومة هو خروج الغفران كلياً من قطر ولكن مع الوقت والضغوط الدولية والإعلامية والحقوقية تم الطلب من الغفران تسليم الجنسية السعودية ممن يملكها وطلب ممن لا يملكها إستخراجها بأي طريقة ولأبناءه ثم القدوم لقطر وتسليمها! وهذا سبّب خروج الالاف الأفراد ولجوءهم للسعودية وفئة قليلة لجأت للإمارات! في عام ٢٠٠٨ ردت الجنسية القطرية للبعض من الغفران وتصل أعداد من ردت لهم الجنسية إلى ٢٥٠٠ فرد بينما لازال فوق ٣٠٠ الالاف فرد لم يستطيعوا رد جنسيتهم حتى تاريخ اليوم! وبناءاً على التطورات اللتي حصلت في ٢٠٠٨ يمكن تقسيم الغفران ممن لم ترد إليه الجنسية إلى ثلاث فئات؛

١-الفئة الأولى : فئة في قطر أصبحوا “بدون” ولا يملكون أي جنسية أخرى وهؤلاء وضعهم صعب جداً حيث لا يستطيعون السفر إلا بترخيص ولا يستطيعون أن يعملوا ولا أن يدرس أبناءهم التعليم العالي ولا الأبتعاث كما لا يحصلون على المميزات اللتي يحصل عليها المواطن القطري.

٢-الفئة الثانية: فئة في السعودية أيضاً “بدون” لم يستطيعوا الحصول على الجنسية السعودية بعدما تم إبعادهم من قطر وهؤلاء يمكن أن يقال عنهم أنهم “علقوا” في المنتصف حيث لايملكون حتى وثائقهم القطرية والكثير لا يملك إلا صورة جواز أو بطاقة شخصية.قطرية وهؤلاء هم أصعب الفئات وضعاً على الإطلاق يعيش أكثرهم على الهامش في منازل متواضعة ووضعهم المالي والنفسي صعب جداً كان الله في عونهم!

٣-الفئة الثالثة: فئة حصلت على الجنسية السعودية وعاد لقطر وبعضهم عاد إلى عمله السابق وبعضهم وجد عمل آخر ومما سهل الرجوع لهذه الفئة وجود منازلهم هناك واذلك لا يحتاجون لمواجهة تكاليف الأجار الباهظة في قطر. وتم وعدهم بتعديل وضعهم ورد جنساتهم القطرية بعد تسليم السعودية ولكن لم يحصل شئ من ذلك. وهؤلاء يعاملون معاملة المواطن الخليجي والكثير منهم يخاف من المنع المفاجئ من دخول قطر في حال المطالبة الملحة بحقوقه. والكثير منهم أستخرج بطاقات مقيم بنفس الأرقام الشخصية في الجنسية القطرية والكثير منهم أيضاً تم تغيير محل الميلاد إلى السعودية حتى لو كان يملك شهادة ميلاد رسمية صادرة من قطر تثبت ميلاده في مستشفيات قطر

 

 

الوضع الحالي والحلول :

هذا الوضع المعقّد أنتج مشاكل عدة يجب التعامل معها فالقضية تتفاقم مع الوقت حيث يوجد أفراد من الغفران ولدوا وهم رجال الآن دون جنسية ، لا يستطيع العمل ولا الدراسة ولا السفر! كيف يمكن أن نحصل على مجتمع صحي ويتم حرمان بعض أفراده من حقوق طبيعية ! بل هناك عوائل في قطر والسعودية لا يملكون أي جنسية فكيف يحصلون على عمل في عالم اليوم دون جنسية بل الكثير منهم لا يستطيع حتى أن يزوج أبناءه وبناته. كل هذا مع إنتهاء تلك الحقبة وجميع أطرافها إما قد ترك الدنيا وهو بين يدي الله أو من هو حر طليق اليوم ولم يتبقى من آثار هذه الحقبة إلا ضعفاء الناس ممن لاذنب لهم!

وبالإنتقال إلى الحلول المقترحة فهي لا تحتاج إلى إجراءات معقدّة فجميعهم لديهم جنسية قطرية ويمكن ردها وتنتهي المشكلة من جذورها! ونحن هنا نوجه نداء إلى حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ /تميم بن حمد آل ثاني إلى النظر في وضع هذه الفئات وحلها بشكل مجمل و قطر خيرها عم جميع أهل الأرض مسلمين وغير مسلمين فكيف بإبناءها وكلنا أمل ورجاء في سموه الكريم بتعجيل حل هذه القضية العالقة وأبناء الغفران هم من نسيج هذا الوطن ويحبون وطنهم ويفخرون به حتى أولئك البعيدين عنه،

 alghufran.rights@gmail.com